الغزالي

412

إحياء علوم الدين

بيان إخفاء الصدقة وإظهارها قد اختلف طريق طلاب الإخلاص في ذلك ، فمال قوم إلى أن الاخفاء أفضل ومال قوم إلى أن الإظهار أفضل . ونحن نشير إلى ما في كل واحد من المعاني والآفات ، ثم نكشف الغطاء عن الحق فيه أما الاخفاء ففيه خمسة معان : الأول : أنه أبقى للستر على الآخذ ، فان أخذه ظاهرا هتك لستر المروءة ، وكشف عن الحاجة ، وخروج عن هيئة التعفف والتصون المحبوب الذي يحسب الجاهل أهله أغنياء من التعفف الثاني : أنه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم ، فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه ويظنون أنه آخذ مع الاستغناء ، أو ينسبونه إلى أخذ زيادة ، والحسد وسوء الظن والغيبة من الذنوب الكبائر ، وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى وقال أبو أيوب السختياني : إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسدا . وقال بعض الزهاد : ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني : يقولون : من أين له هذا ؟ وعن إبراهيم التيمي أنه رئي عليه قميص جديد فقال بعض إخوانه : من أين لك هذا ؟ فقال كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا به ما قبلته الثالث : إعانة المعطى على إسرار العمل ، فان فضل السر على الجهر في الإعطاء أكثر ، والإعانة على إتمام المعروف معروف ، والكتمان لا يتم إلا باثنين ، فمهما أظهر هذا انكشف أمر المعطى . ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فردّه إليه ، ودفع إليه آخر شيئا في السر فقبله ، فقيل له في ذلك ، فقال : إن هذا عمل بالأدب في إخفاء معروفه فقبلته ، وذاك أساء أدبه في عمله فرددته عليه . وأعطى رجل لبعض الصوفية شيئا في الملا فردّه ، فقال له : لم ترد على الله عز وجل ما أعطاك ؟ فقال : إنك أشركت غير الله سبحانه فيما كان لله تعالى ولم تقنع با لله عز وجل ، فرددت عليك شركك . وقبل بعض العارفين في السر شيئا كان رده في العلانية ، فقيل له في ذلك ، فقال : عصيت الله بالجهر فلم أك عونا لك على المعصية ،